الوقاية :طريق يبدأ بالمــــــــــــــعرفة

تتعرض سلسلة المقالات هذه لمفهوم الوقاية من المؤثرات العقلية  ومناهج الوقاية المختلفة وذلك لتمكين القاريء من دعم وتعزيز الوقاية في المجتمع. فالوقاية في اللغة هي الحماية والصيانة من الأذى. وفي الطب فهي جميع الوسائل لتلافي المرض كاللقاح والعزل. وتختلف الوقاية حسب طبيعة الأمراض والتي يمكن تقسيمها الى أمراض سارية أو معدية وغير سارية. فالأمراض السارية أو ما يعرف بالأمراض المعدية وهي التي تنتقل من شخص الى أخر كالاصابات الفيروسية والبكتيرية، وأما الأمراض الغير سارية لا تسبب العدوى كالأمراض النفسية وان كانت الأمراض تتأثر بالبيئة المحيطة. وفي ضوء ما سبق فان آليات الوقاية من الأمراض السارية تختلف وإن توافقت في عدة جوانب عن آليات الوقاية من الأمراض الغير سارية والتي تشمل استخدام المؤثرات العقلية. وسوف نتعرض في هذه المقالة الى الاطار العام للوقاية  من استخدام المؤثرات العقلية.

وبشكل عام فان العوامل التي تؤثر على الصحة ومنها الصحة النفسية -والتي يجب مراعاتها عند تطوير برامج الوقاية لأي من الأمراض - هي مستوى التعليم والدخل والمعيشة، والحالة الوظيفية، ومهارات التعايش. الا ان تطبيق ما سبق على استخدام المخدرات يصطدم بسؤال مستمر وهو هل الادمان مرض أم قرار اختياري؟ وتكمن أهمية هذا السؤال في تحديد المقاربات الفعالة للتصدي لمشكلة استخدام المؤثرات العقلية. هذا، وأن الكثير من برامج الوقاية مبنية على التعريف بمضار المخدرات والمؤثرات وهو أمر منطقي حال ان قرار استخدام المؤثرات العقلية قرار اختياري. اذ انه لا يعقل أن يقوم المرء بفعل يعلم تماما ضرره. ويبقى السؤال لماذا يقوم الناس باستخدام المخدرات بالرغم من المعرفة بأضرار المخدرات والمؤثرات العقلية؟ 

فالجواب هو، اذا كان قراراً طوعياً اصبح المنع والرقابة هما أهم اجراءات التصدي وتعرف أيضا باجراءات خفض العرض أي منع توفر المواد. وأما ان لم يكن قرارا اختياريا  أي مرض، فان أفضل طرق التصدي تكمن في  الخدمات العلاجية ومنها الوقاية. وقد اتفق العلماء في وصف تكرار استخدام المؤثرات العقلية بالمرض عدا  تجربة الاستخدام الأولى والتي قد لا تخضع الى التغيرات الدماغية التي تحدثها المؤثرات العقلية وحالة الالحاح في الاستخدام والمعروفة بالادمان او الارتهان بالمخدرات وهو لفظ بديل عن الادمان بما فيه من وصمة وحرج اجتماعي، ويصف الارتباط اللاارادي بالمخدرات في كافة جوانب الحياة وفيه يضع المريض نفسه واسرته رهنا للمخدرات والمؤثرات العقلية. وقد رجحت أحد النظريات العلمية أن استخدام المؤثرات العقلية يقع ما بين القرار الاختياري والاارادي وهو ما تم وصفه "بالقرار المضطرب". والقرار هنا غير صائب بشكل قسري كونه تأثر بعدة عوامل محيطة ومتفاعلة. ولتوضيح ما سبق،  مثلا اثناء القيادة في الضباب يصعب اتخاذ قرار سليم في شأن الاتجاهات ويكون اتخاذ الاتجاه الخاطئ  في حقيقة الأمر قرار مضطرب بسبب الضباب وليس قرار اختياري. وفي الحياة فان التحديات الاجتماعية والاقتصادية المحيطة بالانسان فد تحاكي الضباب في المثل السابق.  

وعليه، فان الوقاية من الاضطرابات  النفسية  واستخدام المؤثرات العقلية تأتي في اطار متكامل من بناء القدرات الفردية والمجتمعية لأخذ زمام أمور حياتهم وتوجيهها الى الأفضل من خلال حزمة اجراءات تعنى ببناء بيئة أمنة وصحية تضم الرقابة والمنع من جانب والتدخلات العلاجية والوقائية وتعزيز دور المجتمع من جانب أخر.

فالمهارات الفردية يتم تقسيمها الى قدرات الردع وقدرات التحمل. والردع يشكل الساتر من الاستخدام ويتأثر بعوامل الحماية التي تعزز القدرة على مقاومة استخدام المؤثرات العقلية كالسلوك المعياري للمجتمع أو lh ما يعرف بالتقاليد، والاعلام، والاطار القانوني والرقابي، والعلاقات الأسرية.  وأما المرونة والتحمل فيتأثران بعوامل تزيد احتمالية استخدام المؤثرات العقلية مثل التفكك الأسري والتنمر المدرسي والأمراض النفسية وتعرف بعوامل الخطورة.

وفي المقال القادم سوف نقوم بطرح مبادئ الوقاية التي يمكن أن يطبقها القارئ بدءا في ممارساته اليومية.

مشاركة