إبراهيم: لم أحسب أن عالم الإدمان مليء بالكوارث

تاريخ النشر: 25-09-2013 | A- A A+

البداية

تبدأ دائماً رحلة الإدمان بدافع الفضول وحب التجربة، بجانب تصوير رفاق السوء للشخص بأن المخدرات مصدر للسعادة، وما إن يقع الشخص في براثنها حتى يكتشف الكذبة الكبرى، وتتدهور علاقاته بكل المحيطين به، ويحيل حياتهم جحيماً، إذ يكون كل هدفه التعاطي والإحساس لحظات بنشوة المخدرات.
هذا ما حدث بالفعل لإبراهيم، الذي لم يفق من كبوته إلا عندما حكم عليه بالسجن، ليقرر موافقة الأهل باللجوء للمركز الوطني للتأهيل، الذي دخله بداية إرضاءً لزوجته، ظناً منه أنها فترة يعود بعدها ليواصل التعاطي، لكن ما إن دخل المركز حتى اختلفت النظرة تماماً، وشيئاً فشيئاً بدأ يستجيب للعلاج، ليمر بكل مراحله، حتى النفسية منها، ليعود إلى حياته وأهله وأبنائه، الذين وعدهم بتعويضهم عن كل لحظة قصر فيها بحقهم .

حب الفضول

أدمن إبراهيم تعاطي الهيروين والأفيون والحبوب والحشيش وهو في الثانية والعشرين من عمره .
يقول عن بداياته: كانت البداية من باب التجربة والتسلية والفضول، حيث كنت أسمع أن الحشيش والمخدرات تمنح شعوراً غريباً، وتشعر الشخص بالسعادة، كما أن إصرار أصدقائي على أن أجرب شجعني أكثر، فقلت في نفسي (خليني أجرب)، ولم أفكر في العواقب التي ستواجهني، أو ماذا سيحصل إذا دخلت في هذا العالم.
وأضاف: كان لي أصدقاء دخلوا عالم الإدمان، ولم أكن أعرف شيئاً عن المخدرات غير أنها ستجعلني سعيداً.. لم أكن أحسب أن الدخول في هذا العالم كارثة ودمار، فقد كان هدفي الوحيد التجربة والتسلية.
يوضح إبراهيم: تعرضت للكثير من الضغوط النفسية بسبب الإدمان، فأنا إنسان متزوج لدي 4 أبناء، حيث حصلت لي عدة اضطرابات نفسية، فأصبحت شخصاً عصبياً وعدوانياً ولا أستطيع السيطرة على تصرفاتي، أو التحكم في سلوكياتي مع زوجتي وأبنائي الذين كانوا يخافون مني.. وزاد: كنت أقوم بضربهم، ولم تكن توجد علاقة بيني وبينهم كعلاقة أي رب أسرة بعائلته، فلم أكن أهتم بهم، وكان أكثر شيء يهمني ويسيطر على تفكيري هو ماذا سأتعاطى اليوم وأي مادة سأتعاطاها ومع من سأتعاطى. لم أكن أفكر في أي شيء يخص حياتي وعملي وأهلي وأسرتي بأي فائدة .
منوهاً: كانت علاقتي بأبنائي تزداد سوءاً كل يوم عن اليوم الذي قبله، ومرت علي أيام لم تكن لدي إمكانات مادية لأشتري المواد المخدرة، فكنت أصب كل جنوني وغضبي على أبنائي وزوجتي، لدرجة أنه كانت تأتيني أفكار أن آذي أبنائي، وفي يوم مسكت ابني وأردت أن ألقيه من الشباك، ولولا تدخل زوجتي لكنت ارتكبت جريمة وذنباً لن أكن لأسامح نفسي عليه طول العمر، كنت دائماً ما أجعلهم في توتر وقلق وحالة استنفار وطوارئ .
واستدرك: كان ينتابني إحساس بالسعادة وقت التعاطي، لكن بعد فترة بدأت الأمور تأخذ مجرى آخر، وبدأت العوارض النفسية والجسدية تظهر عليّ، بالإضافة إلى السلوكيات السيئة والتصرفات العدوانية التي أخذت تظهر يوم بعد يوم.
وعن أبرز صور تعرض له من معاناة قال: إن دخولي إلى هذا الجحيم وتفاصيله اليومية هو المعاناة بحد ذاته، كنت أريد أن أترك التعاطي ولكن كنت لم أستطع، فلم تكن لدي العزيمة والشجاعة على التوقف وقول (كفى).
وأضاف: كنت أرى نظرة الخوف والحزن من أعين أبنائي، ولم أستطع فعل شيء لهم، فقد كان الإدمان يسيطر علي وعلى تصرفاتي وسلوكياتي، ولم أكن أستطيع التحكم في نفسي، غير الحوادث والسرقات والسلوكيات غير السوية التي كنت أقوم بها.
ويعترف إبراهيم: ندمت على كل يوم كنت فيه أنانياً وفكرت في نفسي وإسعاد ذاتي فقط. كنت أسير وراء ملذاتي والفواحش التي نهى الله عنها، وأضر صحتي وجسدي وأؤذي أبنائي وأهلي وأهملهم، وكنت مصدر حزن وتعاسة لهم.
بكل تأكيد شعرت بذنب كبير تجاه نفسي وعائلتي وقصرت في حق نفسي وحقهم كثيراً. موضحاً: حاولت البحث عن علاج عدة مرات، لكن محاولاتي باءت بالفشل، فقد ذهبت أكثر من مرة إلى مراكز للعلاج ولكني لم أستمر، حيث كنت أذهب بعد مشاجرات بيني وبين زوجتي كي أرضيها أو بمعنى أصح (أهدي اللعب شويه) كما يقولون، ثم أنقطع عن الذهاب.

قرار حاسم

وعن كيفية اتخاذ القرار الحاسم بضرورة العلاج، يوضح إبراهيم: حكم علي بالسجن في قضية، عندها كانت لي وقفة مع نفسي، فتوضأت وصليت ونويت التعافي والعلاج وبدء حياة جديدة بعيدة عن الإدمان.
وأضاف: لجأت إلى المركز الوطني للتأهيل، بعد مبادرة من الأهل وتشجيعهم لي على العلاج في المركز، وبصراحة وافقت في البداية دون اقتناع كامل بل قلت في نفسي سأذهب وأرضي عائلتي وهناك بالمركز سيعطوني دواءً وسأقضي فترة بسيطة وسأخرج وأعود إلى التعاطي، لكن بعد دخولي للمركز اختلف تفكيري كلياً.
منوهاً: قدم لي المركز جميع الخدمات العلاجية والصحية والوقائية، وكنت أخضع لتحاليل وفحوصات بشكل دوري ودائم، وتحت إشراف طبي مهم وعظيم، فالعلاج بالمركز يمر بمراحل تختلف من مدمن إلى آخر، وكنت في فترة من الفترات تظهر عليّ عوارض تسمى بالعوارض الانسحابية، حيث كنت أحس بآلام وأوجاع من صداع وقيء وآلام في الجسم وأرق، وبدأ كل هذا يخف بشكل تدريجي حتى انتهى تماماً.
وأشار إبراهيم: لقد كان للمركز الوطني للتأهيل أدواراً كثيرة غير الدور العلاجي الذي قام به، فقد قام المركز -جزاه الله خيراً- بعدة أدوار هي التي جعلتني اليوم أجلس معكم وأخبركم بتجربتي بكل صراحة وشفافية، فالمختصون النفسيون والاجتماعيون بالمركز يقومون بإعطاء محاضرات توعوية، ويزودونا بدروس وعبر ونصائح توعوية تمنحنا الراحة النفسية للتعبير عن ما بداخلنا، واستشارتهم إذا واجهنا أي موقف أو مشكلة، بالإضافة إلى عمل حلقات نقاش ومجموعات يتحدث فيها كل شخص عن تجربته الخاصة، كل هذا زاد من ثقتي بنفسي أكثر، وأحسست أنني اكتسبت خبرة وثقافة وعلماً بفضل المركز والعاملين فيه.

حياة جديدة

ويصف إبراهيم حياته قبل دخول المركز وبعده قائلاً: قبل دخول المركز كانت حياتي مليئة بالمآسي والظلام، أما بعد دخول المركز تغيرت حياتي كلياً، وتحولت إلى إنسان آخر مليء بالراحة والسعادة والفرح، فمن أول يوم دخلت فيه المركز حتى اليوم وهو يدعمني معنوياً ونفسياً ويثني علي ويشجعني دائماً ويزيد من ثقتي بنفسي .
وأضاف: سأعمل على حماية أسرتي من الإدمان، وذلك بالتوعية الدائمة وملء أوقات فراغهم بأشياء مفيدة، وهوايات يحبونها، والتقرب منهم والجلوس معهم دائماً، وإشباعهم عاطفياً وإعطائهم الوقت الكافي وسماعهم، فالأبناء بحاجة للوقت، ودعمهم في المنزل والتعرف إلى أصدقائهم.
ولفت إبراهيم: أكملت اليوم سنتين و6 أشهر في التعافي، إنني فخور جداً بنفسي، وأشعر بسعادة عارمة، واليوم الناس أصبحت تسأل عني ويتصلون للاطمئنان علي ويستشيرونني في مواضيع مختلفة تشجعني وتدعمني.
وينهي كلامه قائلاً: أشكر المركز الوطني للتأهيل -جزاهم الله كل خير- على كل الدعم والجهود الذي بذلها ويبذلها في حقنا، وكل التقدير والاحترام للعاملين بالمركز من أطباء وإداريين وأخصائيين نفسيين واجتماعيين، وكل فرد يعمل بالمركز، كما أشكر كل شخص وقف إلى جانبي ودعمني وسأل عني، وأعتذر عن كل شخص أخطأت في حقه و(سامحوني يا أبنائي وأهلي على الأيام اللي عيشتكم فيها بجحيم، ووعد مني أن أعوضكم عن هذه الأيام).

عودة للأعلى

  عداد الزائرين