خليفة: إذا لم تأت الرغبة من داخلك فلن تُعالج

تاريخ النشر: 25-09-2013 | A- A A+

يمر الإنسان بمنعطفات كثيرة تغير مسار حياته، إما للأفضل أو العكس.. وكم من عاقل استطاع بإرادته وقوة تحديه لهواه أن يعدل عن الأسوء ويتصدى لأصعب المحن، متخذاً بشأنها أهم قرارات حياته، دون اللجوء إلى بدائل لا تسمن ولا تغني من جوع.
تلك هي حال (خليفة)، الذي جرفته بعض المشكلات العائلية والعاطفية إلى الإدمان، الذي لم يكن مؤثراً عليه فقط، بل على كل المحيطين به من الأهل والأصدقاء، فلم ينس خليفة يوم أن حاول دهس أخاه بالسيارة تحت تأثير المخدر، وعندما أرادت والدته منعه عن ذلك أصابها عن طريق الخطأ، كما لم ينسى أنه كان السبب في وفاة أحد أصدقائه عندما أعطاه المخدرات وأخذ منها جرعة كبيرة أفقدته حياته.
لكن، وعلى الرغم من هذه المآسي كلها، يظل داخل الإنسان بصيص أمل في آخر النفق المظلم يولد الشرارة التي تشعل مصباح حياته لينير دروب العودة لنفسه ولأسرته ومجتمعه.
هنا يخبرنا خليفة بتلك المرحلة الضائعة من حياته، وبأدق تفاصيلها، بدءاً من الأسباب، مروراً بأسوأ ما فيها، وانتهاءً بكيفية اتخاذه القرار الشجاع واللجوء إلى المركز الوطني للتأهيل بأبوظبي لتلقي العلاج، ومراحل العلاج والمتابعة بعد التعافي.


البداية

بدأ خليفة الإدمان بدافع التجربة وهو في السادسة عشرة من عمره، واستمر في تعاطي حبوب الترامادول خمس سنوات، والآن عمره 21 سنة.
يقول عن بداية دخوله عالم الإدمان: كنت طالباً في المدرسة، وكانت لدي مشكلات عائلية مع أخي الكبير وإخواني، فأبي متوفى وأنا أصغر فرد بالعائلة وقريب جداً لامي وكنت مدللاً عندها، لذلك أصبح إخواني بعيدين عني ولا يهتمون بشأني ولا يجلسون معي أبداً.
وأضاف: عندما كنت أتأخر عن المنزل أو أتصرف تصرفاً خاطئاً يوبخني إخواني، وتدافع أمي عني، لذا ابتعدوا عني، وأصبحت أنا بطريق وهم بطريق، فلجأت إلى أشخاص خارج محيط المنزل، أجلس وأسهر معهم وأقضي معظم وقتي معهم.
وأوضح خليفة أن سبب لجوئه إلى الإدمان هو الهروب من المشكلات العائلية التي كانت تضايقه ، وإهمال الأهل له ، و"أيضاً كانت لي علاقة عاطفية مع "شخص " تفرقنا ومررت بظروف صعبة وأزعجني الموضوع كثيراً وتأثرت نفسياً، وكان لرفاق السوء النصيب الأكبر لانجرافي نحو هذه التجربة لغرض النسيان والهروب من الواقع الذي أعيشه".
ويؤكد أن التأثير يأتي من داخل البيت كما يأتي من الخارج والشارع، "بالنسبة لي التأثير أتى من رفاق السوء وسوء معاملة الأهل وبعدهم".

سعادة مؤقتة

وعن الإحساس الذي كان ينتابه وقت التعاطي، قال خليفة: كنت أشعر بالسعادة والراحة، لا أفكر بأحد ولا يهمني شيء، وأنسى كل ما كان يضايقني ويجعلني الإدمان شخصاً قوياً، لكن بالطبع ينتهي هذا الشعور بانتهاء مفعول المخدر، فبدايته تكون جميلة وبعد فترة بسيطة جداً يصبح نقمة وكابوساً، يسيطر عليك ولا تستطيع التخلص منه.
وأشار: غالباً ما كنت أنام يومين وأبقى مستيقظاً يومين متتاليين، وفور ما استيقظ أتناول وجبة وبعدها مباشرة أحضر المادة المخدرة، وإذا لم تكن متوفرة لدي أذهب وأحصل عليها، وبعد التعاطي كنت إما أن أجلس أو أخرج مع أصدقاء التعاطي إلى أي مكان، نخلق مشكلة أو مشاجرة مع أي أحد، نسرق، نذهب لنوادٍ ليلية، نشرب الكحول، نمارس سلوكيات غير سوية.
وأوضح خليفة: اكتشف أهلي إدماني من تصرفاتي وسهري خارج المنزل وتغير سلوكياتي، ونصحوني أكثر من مرة بالابتعاد عن ذلك، وكنت أقول لهم سأبتعد، فأترك التعاطي يوماً واحداً تم أعود إليه.
منوهاً: كنت أول أيام أكذب على الوالدة وأقول لها إن هذه الحبوب منشطة وفيتامينات، وأحياناً أحلف لها بالقرآن بأن هذه الحبوب ليست مخدرات، لكي أضع جزءاً من اللوم عليهم لأنهم كانوا يساعدوني على التعاطي بطريقة غير مباشرة، حيث بعدما صارحت الأهل أنني أتعاطى المخدرات أقنعت الوالدة بأن الحبوب التي أتعاطاها دواء وصف لي لعلاج الإدمان، وباتت تعطيني الدواء بيدها، وعندما يأتي أحد من إخواني لسحب الدواء مني تتشاجر معهم وترجعه لي وتقول لهم هذا علاج خليفة، فأدمنت أكثر.
موضحاً: فكرت أكثر من مرة خلال سنوات التعاطي الخمس أن أتراجع وحاولت التوقف، وكنت أترك يوماً، لكن لم أكن أستطيع الاستمرار، وكنت أفشل في كل مرة وأعود للمخدرات، إذ لم أكن أستطيع السيطرة على نفسي وكنت أشعر أنه مستحيل.

شعور بالذنب

مهما طال أمد التخبط بالإنسان، إلا أن هناك لحظات يعود فيها إلى رشده، وقد مر خليفة بموقف من هذا النوع، إذ يقول: آخر موقف كان بمثابة الفاجعة لي عندما كنت ألاحق أخي بالسيارة وأنا تحت تأثير المخدر وأردت أن أصدمه ، والسبب كان تافهاً جداً، عندها ركضت أمي ورائي تفتح باب السيارة لتمنعني عن هذا التصرف فصدمتها بطريق الخطأ، عند هذه اللحظات اسودت الدنيا في وجهي لأني اكتشفت أنني وصلت إلى مرحلة من الممكن أن أقتل أخي وأمي بسبب تأثير المخدر.
وأضاف: حصلت لي مشكلات كثيرة بعد موقف صدم أمي وتعبت كثيراً، وتدهورت حالتي جداً، حتى أنني كنت أنام في الشارع، وأقف وسط الطريق وأنام بالسيارة وأعرقل السير، فتحدثت مع أخي الكبير، الذي كانت علاقتي به مقطوعة من خمس سنوات، وأخبرته بأنني أريد العلاج وأنه يوجد في أبوظبي المركز الوطني للتأهيل لعلاج المدمنين، فاجتمعت العائلة معي وتحدثنا على البدء بالعلاج وحل مشكلتي والحمد لله.
ويوضح خليفة: أنا الذي فتحت لهم موضوع إدماني وأنني أريد العلاج، حيث إنهم لا يعرفون شيئاً وليست لديهم أدنى خلفية عن مدى صعوبة ترك الإدمان والتراجع عنه، وأني أحتاج إلى علاج والتزام في مراكز التأهيل ومراحل علاجية حتى أستطيع تركه والتعافي.
يتذكر خليفة مواقف مؤسفة شعر خلالها بالذنب قائلاً: ثمة موقف حصل وأتمنى من الله ألا أعود إليه ولا يحدث لغيري، وهو أنني أعطيت أحد أصدقائي مادة ليتعاطاها فتوفي على إثرها.
شعرت بذنب كبير تجاه نفسي، لأنني ضيعت عمري ومستقبلي، وشعرت بالذنب تجاه كل شخص آذيته وأخطأت في حقه، حيث هناك أربعة من أصدقائي توفوا بسبب التعاطي، منهم بسبب حادث تحت تأثير المخدر، ومنهم بسبب جرعات زائدة.

رحلة علاج

عندما امتلك خليفة الشجاعة على مواجهة مشكلته مع الإدمان، أول ما فكر فيه هو اللجوء للمركز الوطني للتأهيل بأبوظبي، "عندما أخبرت أهلي بما يقدمه المركز الوطني للتأهيل شجعوني على العلاج فيه، واعتمدت على إخواني الذين أوصلوني بنفسهم للمركز".
وعن شعوره بأول يوم أتى فيه إلى المركز قال: أول فترة لم أكن بكامل وعي وقدراتي العقلية، لكن بعد فترة بسيطة أيقنت أنني في المكان الصحيح. كنت أعتقد أنني الوحيد الذي أعاني من هذه المشكلة، لكن بعد دخولي المركز وجدت أشخاصاً يعانون نفس مشكلتي ويعيشون تجارب أخرى، وعندما لجأت للعاملين بالمركز من أطباء وأخصائيين أحسست بالراحة، وكنت سعيداً بهذه الخطوة التي قمت بها، والحمد لله أنا راض جداً عن نفسي اليوم وإن شاء الله كل يوم سأكون أقوى وأفضل وأحسن.
وأضاف: بالطبع واجهت بعض الصعوبات في بادئ الأمر، مثل بعض الآلام والأوجاع في فترة العلاج التي تسمى العوارض الانسحابية، وآلام بالجسم، وآلام مفاصل، وقيء، وأرق، وعدم القدرة على النوم ، صداع مزمن ، وتقلب المزاج ، وعصبية.

المركز الوطني للتأهيل
وعن دور المركز الوطني للتأهيل غير الدور العلاجي ومدى تأثره به قال: كنت محاطاً بظروف صعبة، فاثنين من إخواني متعاطين، أحدهما يشرب الكحول والآخر على طريق التعافي، ولكن في الخارج.. كنت دائماً أفكر وأشعر بالخوف إذا رجعت والتقيت معهما كيف أقي نفسي، لذا لجأت للأخصائيين النفسين والاجتماعين في المركز -جزاهم الله خيراً- والذين بدورهم نصحوني بماذا أفعل وكيف أتصرف، وكيف أحمي نفسي وأحصن ذاتي، والحمد لله اليوم أكملت 8 أشهر و15 يوماً في التعافي لم أتعاط فيهم والحمد لله.
ويؤكد خليفة: بدّل المركز الوطني للتأهيل حياتي للأفضل، حيث تحسنت سلوكياتي وتصرفاتي للأفضل وتغيرت بالكامل، بعد أن زودني المركز بمهارات عديدة كنت أفتقدها، حيث كانوا يعدون لنا حلقات نقاشية ومجموعات نشارك تجاربنا مع بعضنا بوجود أخصائيين نفسيين واجتماعين، نتكلم بصراحة ونتبادل مواضيع ونعبر عن ما في بداخلنا، يقدمون لنا نصائح ويفتحون لنا المجال لأي سؤال أو استفسار يخطر على بالنا، هذه الحلقات زادت ثقتي بنفسي ومنحتني قوة في استكمال العلاج وقوة في الشخصية والدخول في نقاشات وحوارات دون خوف أو تردد.
وأضاف: خلال فترة علاجي بالمركز الوطني للتأهيل استفدت كثيراً من تجارب الآخرين، ومن النصائح التي كنت أتلقاها من الأطباء والأخصائيين النفسيين، ومن المحاضرات التي ينظمها المركز وكان لها دور كبير في إكسابنا مهارات ووعي وخبرة في عدة مجالات وأمور في الحياة، وكيف نواجه المشكلات ولا نهرب من حلها عن طريق المخدرات أو أي طريق خاطئ، وأن نتابع حياتنا بعد العلاج ونحافظ عليها.

السرية والخصوصية

يقول خليفة: الجميل في الأمر أن هذا كله كان يتم في سرية تامة، حيث المركز يحرص كل الحرص للحفاظ على خصوصياتي، وهذا من أهم مبادئ المركز (السرية والخصوصية)، فأي شيء يخصني يبقى سراً لا يمكن لأحد أن يعرفه إلا برضاي.
وأشار: كان من الصعب التعافي دون تدخل المركز الوطني للتأهيل في علاجي، حيث من الممكن أن أترك يوماً وأرجع للتعاطي، لكن لولا دخولي المركز وعلاجي فيه لما وصلت لهذه المرحلة والحالة الجيدة التي أنا عليها اليوم، فالمركز له الفضل الكبير بعد الله تعالى في تخلصي من الإدمان والمواد المخدرة وإكسابي مهارات لم أكن لأكتسبها لولا لجوئي إليهم، والحمد لله تغير سلوكي وتصرفاتي وشخصيتي إلى الأحسن والأفضل.
وزاد: ولم يكتف المركز بمرحلة العلاج، إذ يعمل ما في وسعه ليستعيد المريض ثقته بنفسه، وتأهيله بشكل كبير ليصبح عنصراً فاعلاً في المجتمع، حيث تكفل المركز بتكاليف رحلتي أنا وبعض المتعافين بالمركز إلى السعودية لأداء مناسك العمرة برفقة مجموعة من الإداريين والأخصائيين كانوا يوجهوننا ويعطونا نصائح، وأوجه لهم جزيل الشكر على هذه الفرصة التي منحت لي لأنه شعور رائع لا يوصف.
وعن شعوره بعد العلاج بالمركز، ونظرته للمرحلة المقبلة من حياته، أوضح خليفة: أشعر بالسعادة والرضا الحمد لله، وأفكر إن شاء الله في القريب العاجل أن أتزوج وأستقر وأثابر وأتابع عملي، فالحمد لله لم أخسر وظيفتي، وأمنيتي أن أكون مساعد أخصائي في مركز لعلاج الإدمان لأستفيد وأفيد غيري.

الوقاية

وأضاف: هناك أساسيات تعلمتها خلال فترة وجودي بالمركز، وهي الابتعاد عن ثلاثة "الأماكن، والأشخاص، والأدوات"، أن لا أرجع إلى الأماكن التي تذكرني بتلك المرحلة والتي كنا نتردد عليها، وأشخاص التعاطي، والأدوات وهي المخدرات وتوابعها.
مؤكداً: وإذا التقيت بمدمن في فترة من الفترات لن أساعده، لأنني أولاً ضعيف وأخاف على نفسي من الرجوع للتعاطي، وثانياً لأن المتعاطي لا يقبل ولا يسمع النصيحة إلا عندما يريد هو بنفسه العلاج، لذا أفضل أن أذهب إلى أحد أفراد أسرته أو أقاربه وأقترح عليهم طريقة لإرساله إلى المركز للتعافي. فعن نفسي خلال الخمس سنوات التي كنت مدمناً فيها كان الناس يأتونني وينصحونني بالعلاج والتعافي، لكني لم أكن أسمع لهم أو أقتنع بكلامهم، ولم أتعالج إلا عندما قررت أنا العلاج.
وفي نهاية حديثه ، يتوجه خليفة بالشكر إلى المركز الوطني للتأهيل على كل الجهود والطرق والأساليب التي بذلها معه من أول يوم دخل فيه المركز وحتى اليوم، على جميع المستويات، من مساعدات ودعم معنوي ونفسي ومادي وصحي وأكاديمي وترفيهي، "أوجه تقديري وشكري لكم العاملين في المركز من أطباء وأخصائيين نفسيين واجتماعيين وإداريين وكل فرد في هذا المركز العظيم، والحمد لله أولاً وأخيراً.. وسامحوني يا أهلي ويا إخواني على كل تصرف ظهر مني في تلك الفترة، وأعدكم أنني لن أخذلكم بعد ذلك أبداً، وسأستمر في الطريق الصحيح إن شاء الله".

عودة للأعلى

  عداد الزائرين