خليفة: ندمت على عمر خسرته ولم أنجز بحياتي شيئاً

تاريخ النشر: 25-09-2013 | A- A A+

يقف الإنسان آسفاً عندما يكتشف أن نصف سنين عمره ضاعت هباءً وأنه كان مغيباً فيها عن الحياة، ولم يهنأ خلالها بلحظة سعادة، إلا لحظات زائفة زينتها له جرعات المخدرات لبضع ثوان وسرعان ما تزول ويصاب بالعصبية وشيء من الجنون .
عانى خليفة طوال 25 عاماً قضاها تحت ذل الإدمان، عانى الوحدة وعدم الثقة بالنفس، وخسر أهله وأصدقاءه، وقبلهم نفسه.. لكن يقول المثل "أن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي أبداً "، فبعد رحلة مع الإدمان امتدت لنحو 25 عاماً، عاد خليفة إلى رشده وقرر دخول المركز الوطني للتأهيل كي يصبح إنساناً جديداً، وبالفعل كان ما أراد بفضل الله، وتغيرت مجريات حياته للأفضل، وأصبح ينظر للحياة بنظرة متفائلة .

هنا نتعرف عن قصة خليفة عن قرب 

يبدأ خليفة حديثه قائلاً: بدأت تعاطي الحشيش وإبر الهيروين من عمر 20 سنة، وعمري حالياً 46 سنة اليوم، أي 25 سنة من الإدمان. كنت حينها ضمن مجموعة شباب جمعتهم صداقة منذ الطفولة وكنا دائماً نجلس مع بعض، وعندما وصلنا لعمر الـ20 اتجهت مجموعة منا إلى الدراسة ونجحوا في حياتهم، والحمد لله ووصلوا إلى مناصب جيدة، منهم مديرون ووكلاء مدرسة، ومنهم مديرو شركات، والمجموعة الثانية -ومن ضمنهم أنا- اتجهنا إلى طريق المخدرات.
وأضاف: لم أكن أعاني من مشكلات أسرية، ولكن حب الفضول والطيش جعلنا نشجع بعضنا لخوض هذه التجربة كما يسمونها "مزاج ووناسة"، لم نكن نحسب أن هذا الطريق سيدمرنا ويأخذ من حياتنا وصحتنا ومستقبلنا، كنا نظن أنها مجرد وسيلة للتسلية فقط لا أكثر ولا أقل.
وأشار: بعد أن صرت مدمناً، تعرضت لاضطرابات نفسية، حيث أصبحت انطوائياً جداً ولا أتحدث مع أحد، ودائماً ما أود الجلوس بمفردي في الغرفة، وأكون متعباً ومنهكاً.
لقد تدهورت كل حياتي وانقلبت رأساً على عقب، إذ كنت أعمل في الجيش فتركته، وأصبحت عاطلاً عن العمل، ثم ازداد الأمر سوءاً وخسرت الأهل، والأصدقاء، والمستقبل، وضاعت سنوات عمري هباءً.
ونوه خليفة: كان نهاري ليل وليلي نهار، كان من الممكن أن أجلس شهراً بالبيت أشرب وأتعاطى، ثم أنام يومين متواصلين، وبالطبع المكان الذي أتعاطى فيه مصدر للقذارة، حيث كنت أرمي النفايات على الأرض وفي أي مكان وغير مبال بشيء.

انفصام بالشخصية

وعن ما كان يصيبه أو يحس به بعد التعاطي، يوضح خليفة: أنا إنسان انطوائي بطبعي غير اجتماعي "لا آخد ولا أعطي مع أحد"، ولا أندمج مع الناس، لكن عندما كنت أتعاطى المخدرات كان يحدث معي مثل انفصام في الشخصية فأصبح شخصاً آخر، متحدثاً واجتماعياً، أما عندما كنت أتعاطى الكحول الخمر فأصبح إنساناً عدوانياً وشرساً وعصبياً وعنيفاً جداً، وغير مسيطر على تصرفاتي مع العائلة، وسببت الكثير من المشكلات للأهل، وكان الوالد والوالدة يخافون مني، كذلك حصلت لي عدة حوادث، ودخلت أكثر من مرة إلى السجن.
وأضاف: لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تغير شكلي وملامحي كثيراً، وفي أحد الأيام أردت استخراج بطاقة جديدة فقدمت للمسؤول عن الموضوع صورتي الشخصية، فقال لي باستغراب "هل هذا أنت؟"، حيث تغيرت ملامحي، وكل سنة كان شكلي وجسمي يتغير بشكل غريب بسبب التعاطي.
وللأسف استمريت في طريقي على الرغم من أن الأهل نصحوني أكثر من مرة، والوالد عرض علي أن يأخذني إلى مركز لعلاج الإدمان وذهبت معه، ولكن كان من قواعد دخولي المركز أن يتم حجزي، فلم أقبل ورفضت.
يتذكر خليفة: هناك موقفين حدثا لي وأتمنى ألا يعودا ثانية، لكنها حدثت في فترات مختلفة، الأول أن أحد أصدقائي كان سيموت بسبب تعاطي إبر هيروين بجرعات زائدة لكن الحمد الله مر الأمر على خير، والموقف الثاني صديق آخر شرب كحولاً بكمية زائدة وأخذ إبرة وحصلت له مضاعفات كان سيموت على إثرها، لكن الحمد لله أسعفناه، فهذان الموقفان من الصعب نسيانهما.

ندم

يقول خليفة نادماً على ضياع سنوات عمره وصحته: لقد ندمت على كل شيء، على كل يوم تعاطيت فيه. ندمت على عمري الذي ضاع والسنوات التي خسرتها ولم أنجز شيئاً في حياتي، وندمت على خسارتي لعملي وصحتي وأصدقائي وأهلي، وكل شيء تأثر من لحظة دخولي هذا العالم المظلم لهذا اليوم، أنا عمري 46 سنة، ضاع من عمري 25 سنة، الأشخاص في عمري وصلوا لمرحلة معينة في عملهم وأنجزوا الكثير في حياتهم، وأصبح لديهم أسرة وأبناء، وأصبحوا أعضاء مفيدين في المجتمع. أما أنا فكثيراً ما أشعر بالذنب تجاه نفسي وأهلي، حيث قلبت حياتي وحياتهم جحيماً.
وأوضح: فكرت في ترك الكحول لأنها كانت تجعلني عدوانياً وعنيفاً، لكني فشلت أكثر من مرة، أما المخدرات فلم أفكر صراحة في تركها، حيث كانت مسيطرة علي تماماً، ولكن بعد أن دخلت المركز الوطني للتأهيل تغيرت أفكاري بشكل كامل وفكرت جدياً في التعافي والعلاج، لأني تعبت وكبر سني وتدهورت صحتي وضعفت، وأصبح لدي مشكلات نفسية وصحية عديدة.
منوهاً: فقد سمعت من أن أحد الأصدقاء كان يعالج في المركز الوطني للتأهيل ونصحني بالقدوم والعلاج، فلم أتردد في الاتصال بالمركز، لأن صديقي الذي قدم لي النصيحة للعلاج في المركز أخبرني كثيراً عنه وعن خدماته ومدى ارتياحه في وجوده بالمركز، فأصبحت لدي الشجاعة والفضول لدخول المركز والعلاج فيه. والحمد لله اليوم أكملت 7 أشهر تقريباً.
وإن شاء الله لن أتوقف عند العلاج فقط، بل سأعمل جاهداً على تقديم النصيحة لأي شخص مدمن، وسأستمر في تقديمها له إلى أن يقتنع ويأتي للعلاج.

المكان الصحيح

وعن شعوره في أول يوم دخل فيه المركز، يقول خليفة: لم أتوقع أن أدخل بموضوع العلاج بهذه السرعة وأتقبله، فعندما دخلت المركز أحسست بأني بالمكان الصحيح، وأن الخطوة التي اتخذتها في القدوم إلى المركز والعلاج فيه أهم خطوة اتخذتها في حياتي. لم أتوقع أن أنجح ، تكلمت مع طبيب داخل المركز وأخبرته أنه من أول يوم دخلت فيه المركز تغيرت حياتي 180 درجة. سبحان الله شعور غريب بالراحة والطمأنينة، أحس بجاذبية وسر غريب في انجذابي للمركز، أصبحت إنساناً متفائلاً، لأن كل فترة تمر على إدماني كنت أعتقد أنه من المستحيل أن أترك طريق الإدمان، لكن بفضل لله ثم المركز الوطني للتأهيل كتبت لي حياة جديدة.
موضحاً: فالمركز - جزاه الله كل الخير- قدم لي خدمات علاجية فائقة، بوجود كادر متمرس من الأطباء والأخصائيين النفسيين والاجتماعيين، الذين قدموا لي كل الدعم الصحي والمعنوي والنفسي من خلال النصائح والآراء التي كنت أسمعها من جميع العاملين في المركز، بالإضافة إلى محاضرات وحلقات نقاشية مع الأخصائيين وممن يعالجون بالمركز، كي نستفيد من تجارب بعضنا البعض ونكسب خبرة جديدة مع خبرتنا في الحياة ونفيد غيرنا بقصصنا، ونعبر عن ما في داخلنا ونستشيرهم بأي شيء يخطر ببالنا، ونتواصل معهم دائماً في أي وقت، بجانب الدعم المادي والعلمي، والتوعوي الذي يعد أهم شيء قدمه لنا المركز عن طريق دورات تدريبية ومحاضرات.
ويؤكد خليفة: أعتقد أنه لولا دخولي المركز الوطني للتأهيل لما عولجت من الإدمان، وأصبح الأمر غاية في الصعوبة.

السرية والخصوصية

وعن الوسائل التي استخدمها المركز الوطني للتأهيل لضمان خصوصيته، يوضح خليفة: أهم ما يقوم به المركز ويشعرنا بالراحة هو السرية والخصوصية، فلا أحد يستطيع خرق خصوصياتنا إلا بإذن منا. أتذكر أول يوم دخلت عند الطبيب لإجراء التحاليل والفحوصات لمعرفة الكمية المخدرة في جسمي سألني متى أخر مرة تعاطيت فيها، قلت له بصراحة قبل ما آتي إليك كنت أتعاطى "نصف السيجارة بالسيارة"، فقال لي حاول التخلص من أي شيء لديك من المواد المخدرة، فمن الممكن أن تدخل في قضية إذا اكتشفت الشرطة ذلك. وأنا عندما أعطي أحداً كلمة ووعداً ألتزم بهما، ففي أول فترة كنت متردداً، لكن مع كثرة ترددي على المركز ونصائح الأخصائيين والأطباء لي بالابتعاد عن الأشخاص المدمنين، بدأت أستجيب للعلاج.
وأضاف: بعد ذلك أصبح لدي وعي ومعرفة بأمور كثيرة، وذلك عن طريق المحاضرات والدروس التي يقدمها لنا المركز، وأي مشكلة تواجهنا أو أي تفكير يخطر ببالنا نتحدث مع الأخصائيين لمساعدتنا في حلها.

مستقبل جميل

يقول خليفة: بعد علاجي بالمركز أعتبر نفسي ولدت من جديد، فقد أصبحت أفكر في مستقبلي ومستقبل عائلتي، لأنني أرى الماضي بصورة قبيحة، أريد أن أبدل الماضي بمستقبل جميل.
وأضاف: حياتي في فترة التعاطي كانت مأساة، أما الآن فالحمد لله أنا سعيد جداً بالتغير والإنجاز الذي حصل لي، وعلاقتي بأهلي فيها كل التقدير والاحترام لي. قبل الشفاء من التعاطي كان الوالد لا يحب أن يراني، أما الآن فنجلس سوياً نتناقش، وتغير كل شي.
وأكد: سأحصن نفسي بكل شيء يقيني من الرجوع إلى هذا الطريق، لأنني داخلياً سعيد بالإنجاز الذي وصلت إليه، وسأكمل دون خوف من الماضي أو الرجوع إليه إن شاء الله.
واختتم خليفة حديثه قائلاً: كل الشكر والتقدير والاحترام والامتنان للمركز الوطني للتأهيل والعاملين فيه فرداً فرداً على كل الجهود الذي قدموها لنا بكافة الأصعدة، وجزاهم الله كل خير أرسلونا إلى السعودية لأداء مناسك العمرة، لدرجة أنني لمست الكعبة، ولن أنسى هذا الموقف ما حييت، وكل ذلك بفضل الله تعالى ثم المركز الوطني للتأهيل، كما أشكر كل من وقف بجانبي في هذه المحنة، وأعتذر لكل شخص أخطأت بحقه وضايقته تلك الفترة.

عودة للأعلى

  عداد الزائرين