علي: إصراري على العلاج أكبر اعتذار لذاتي ولأهلي

تاريخ النشر: 25-09-2013 | A- A A+

يقال إنك إن أضعت ثروتك فلم تخسر شيئاً، وإن أضعت صحتك خسرت أشياء كثيرة، لكن إن أضعت قرارك وعزيمتك فقد خسرت كل شيء، فالقرارات الحازمة في حياة الإنسان لا تأتي عفوية، بل الأقوياء وحدهم من يتصدون للصعاب ويتخذون بشأنها أوضح القرارات وأجرئها، حيث إن مقدرة الإنسان وإرادته ترفعه إلى القمة وشخصيته تحفظه من السقوط، فقوة الشخصية والإرادة من مقومات النجاح .


هذا ما ينطبق على هؤلاء الشباب الذين عادوا إلى رشدهم بعد أن جرفهم تيار الإدمان ورفاق السوء ولجو بهم في بئر مظلمة، تزداد ظلماتها كلما تمادوا في غيهم، وجبنوا أن يتخذوا قرار الخلاص.
هنا نسرد قصة واقعية لتجربة شاب أدمن المخدرات لأسباب عدة، لاقى خلالها نفور الجميع منه، حتى أقرب الأقربين، بل وتطاول على أعز الناس إليه "والده" في لحظات تغيب فيها عقله وشل عن التفكير بسبب تعاطي المخدرات، لكن بالعزيمة والإرادة والإصرار جاء القرار الحاسم بالعلاج، بعد أن ضاقت به السبل ووجد نفسه ممقوتاً منبوذاً من الجميع، ليفيق إلى نفسه في اللحظات المناسبة.
نتعرف من خلال الحوار التالي مع (علي) عن أهم الأسباب التي قادته لتعاطي المخدرات، ودور الأسرة والمشكلات الأسرية وأصدقاء السوء فيها. وما الذي دفعه للعلاج والالتحاق تحديداً بـ"المركز الوطني للتأهيل"، وثقته بأن المركز سيقوم بهذه المهمة في "سرية تامة"، متجولين بين مراحل العلاج، وكيف استعاد ثقته بنفسه، وبدأ يرسم طريق المستقبل من جديد بعد أن خسر وظيفته وأصدقاءه.

البداية

بدأ علي التعاطي منذ سبع سنوات، عندما كان عمره 17 عاماً، واستمر فيه حتى الآن، حيث أصبح عمره 24 سنة.
وعن بداية دخوله عالم الإدمان:
كنت أتعاطى حبوب الترامادول , وفي فترة بسيطة جداً، ما يعادل الشهر تقريباً، حتى وصلت إلى مرحلة الإدمان , كما تعلمون أن فترة المراهقة بها الكثير من التغيرات الفكرية والجسدية لدى الشاب، وما دفعني في المقام الأول هو الفضول وحب التجربة، بالإضافة إلى أن رفاق السوء قد لعبوا دوراً كبيراً في إقناعي بالتجربة ,و بصراحة مطلقة، يتردد و يصمت ثم يتابع : السبب الأكبر أنني كنت أهرب من حالة انتابتني بسبب قصة حب لم تكتمل، حيث وقف الجميع في وجهي دون استمرار هذا الحب، الأمر الذي جعلني أمر بحالة نفسية سيئة، إذ لم أكن أحظى باهتمام من قبل عائلتي، وكنت أحس أن وجودي في العائلة وعدمه سواء بالنسبة لهم، لذا لجأت للإدمان لعلي أنسى لأكتشف أنه ليس إلا هروباً من الواقع لا أكثر ، كذلك ظننت أنه سيشعرني بالراحة ويقوي شخصيتي إذ إنني كنت ضعيف الشخصية وهادئاً بطبعي وانطوائياً. كنت أقنع نفسي بأن لا أحد سيعرف أنني أقوم بهذا العمل، على الرغم من أنني كنت أسمع عن النهايات المأساوية التي تصيب المدمن، إلا أن خيالي صوّر إليّ سهولة الرجوع عن هذا الطريق في أي وقت أشاء، وكنت متوهماً، ولم أرتدع واتعظ من تجربة خالي الذي توفي بسبب تعاطيه جرعة زائدة من المخدرات, و يصمت قليلا و يقول: كنت أشعر بخوف شديد من الشرطة، ومن معرفة الأهل بأمري، لكن أصدقاء السوء كانوا يشجعونني ويعملون بشدة على إقناعي بأن المخدرات ستنسيني المشكلات العائلية التي كنت أواجهها في المنزل، فقلت لنفسي سأجرب حالياً فقط، وسأترك لاحقاً.

وعن دور الاسرة في اقدام الشخص على تناول المخدرات يضيف علي: نعم، إذا كان هناك عدم ترابط أسري وأسرة مفككة، وتشعر أنه لا يوجد أحد يهتم بك ويسأل عنك ويعطيك الحنان والدعم المعنوي، فيكون هذا سبباً للجوئك إلى أصدقاء خارج المنزل وانجرارك لرفاق السوء والإنصات إليهم.
و يقول : في البداية عندما كنت أعود إلى المنزل بعد التعاطي بمزاج سيئ، فكانوا يعتقدون أنني متشاجر مع أحد الأصدقاء، لكن بعد ذلك علموا بالأمر وكانوا يتشاجرون معي دائماً حتى أبتعد عن المخدرات.

الشعور بالذنب

ينوه علي : كثيراً ما شعرت بالذنب، وكنت دائماً أفكر أن أترك التعاطي، لكن لم أستطع , كنت أعتقد أنه لن يحس أحد أنني أتعاطى، وكنت أستمر في رؤية أصدقائي ومقابلتهم، لكن بعد فترة قصيرة أصبحوا يبتعدون عني لأنهم سمعوا أني أتعاطى.

سعادة مؤقتة

وعن الإحساس الذي كان ينتابه وقت التعاطي، قال علي :كنت في البداية أشعر بالسعادة و(الفرفشة) والفرح، وبعد فترة قصيرة جداً تبدأ الأعراض السلبية والنفسية والجسدية في الظهور، وبالتالي تؤثر على أدائي وشخصيتي ونفسيتي وتصرفاتي ، وأنفعل عندما يتكلم معي أي شخص وابدأ بالصراخ، مثلاً إذا قال لي أحد "شكلك متغير وعيونك حمراء" أبدء بالصراخ والعصبية، كنت أحسد أهلي عندما أراهم غارقين في النوم وأنا لا أستطيع النوم.

معاناة وندم

أوضح علي: أكثر شيء عانيت منه خسارتي لإخواني وأصدقائي وعملي.. الخسارة الأكبر والتي أندم عليها حتى الآن هي وظيفتي، لأن أهلي وإخواني بالنهاية لن يتركوني في هذه المحنة، وسيسامحونني على الأخطاء التي ارتكبتها بحقهم، لتقديرهم أنني كنت مغيب العقل حينها وغير متوازن ومثل المثل القائل ( الظفر ما يطلع من اللحم ).
ويضيف : حصلت لي عدة مواقف سيئة ولكن أكثر موقف أثر على و كل ما أتذكره يزعجني، هو أنني ذات يوم كنت عائداً من جلسة تعاطي وحصلت مشاجرة بيني وبين أهلي وفقدت السيطرة على نفسي، لأنني تحت تأثير المخدر، وضربت والدي ثم تدخل أخي وتشاجرنا وضربنا بعضاً، ثم توجهت إلى أعلى المنزل وربطت عنقي بـ"سلك كهرباء"، كنت أريد الانتحار ورميت نفسي، ولكن لم أصب بأذى، حيث نسيت ربط السلك من الخلف لأنني تحت تأثير المخدر.. كنت مغيّب العقل "يضحك على نفسه".

رحلة العلاج

ينوه علي عن بداية رحلته للعلاج: بداية لم أفكر في التوقف، لكن بعد دخولي في عدة قضايا لجأت إلى برنامج الـ12 خطوة لعلاج الإدمان، واستمريت لمدة بسيطة ولم أكمل، لأني أحسست نفسي ضعيفاً ولن أستفيد , ولكن بعد آخر قضية مررت بها شعرت بالذل الكبير، وتعبت نفسيتي وتحطمت، كذلك خسرت الكثير، خسرت عملي ونفسي وصحتي، في هذه الأثناء فكرت في ذاتي قبل أن أفكر بأي أحد آخر، وكيف أنقذ نفسي وأحاول الخروج من هذه الهاوية التي وقعت بها.
ويضيف عن الصعوبات التي واجهته أثناء العلاج : كنت أصاب لفترات بآلام وأوجاع بسبب انسحاب المادة المخدرة من جسمي، مثل آلام في البطن، وصداع، وأرق، وعدم القدرة على النوم، وإسهال، لكن بعد فترة خفّت هذه الأعراض تدريجياً.


عندما امتلك علي الارداة والشجاعة على مواجهة مشكلته مع الإدمان لحل أزماته ، أول ما فكر فيه هو اللجوء للمركز الوطني للتأهيل بأبوظبي : في يوم من الأيام أتى إلي وطلب أن يشتري مني حبوباً مخدرة، فقلت له ليس لدي، وأرسلته عند شخص آخر ليشتري منه، فقبضت عليه شرطة مكافحة المخدرات وأخبرهم عني ، كانت هذه آخر قضية قبل العلاج ,وأنا في طريقي إلى السجن، راودتني فكرة العلاج، وقابلت شخصاً في شرطة مكافحة المخدرات كنت أعرفه مسبقاً، فقلت له (الله يخليك، أريد أن أتعالج ماذا أفعل إلى أين أتوجه؟)، فقال لي هناك "المركز الوطني للتأهيل في أبوظبي" تواصل معهم، وستجد غايتك عندهم بإذن الله، وأثنى لي كثيراً عن المركز، وقال بأنني سأتعافى إن شاء الله عن طريقهم.. وفور خروجي من السجن اتصلت بالوالدة وأخبرتها أنني قررت العلاج والتعافي، وسأتجه إلى المركز الوطني للتأهيل.
يضيف علي : في البداية، بصراحة قلت في نفسي سيكون المركز هو المنقذ الوحيد لي حتى أتخلص من جميع مشاكلي، وأن المركز سيزودني بأدوية. لكن بعد دخولي قسم إخراج السموم تشجعت وقلت في نفسي "سيكون هدفي الأساسي العلاج والتخلص من المخدرات".

المركز الوطني للتأهيل

المركز جزاه الله كل خيراً له دور في جميع المراحل وتعامل معها بأفضل الطرق العلاجية والأطباء الأكفاء، ونفسياً عن طريق أخصائيين نفسيين نلجأ إليهم ويساعدونا لتخطي المراحل النفسية التي كنا نمر بها، فالمركز يدعمنا نفسياً ومعنوياً ومادياً، وهناك أخصائيين اجتماعيين كانوا يعدون لنا حلقات ومجموعات نتناقش ونتكلم في مواضيع مختلفة، والقصص التي ممرنا بها من تجربتنا الخاصة، الأمر الذي زادنا ثقة بأنفسنا.

السرية والخصوصية

يوضح علي و هو مبتسم : المركز -جزاهم الله خيراً- له فضل كبير بعد الله في شفائي، وعندما دخلت المركز قالوا لي إن "السرية والخصوصية أهم شيء"، فمثلاً الوالدة في بداية علاجي كانت تشك في أي شي أقوله لها، وتطلب التحاليل من المركز، لكن المركز لم يعطها أي شيء أو معلومة إلا بعد موافقتي. تخيل أنه يفعل ذلك مع أقرب الناس لي، فما بالك بالآخرين؟.. المركز حريص جداً على هذا الأمر لعلمه التام بأنه عنصر مهم في العلاج والتشجيع عليه، تعلمت الكثير من الدروس، أهمها الابتعاد عن "الأماكن، والأشخاص، والأدوات".. الأماكن المقصود بها الأماكن التي كنا نلجأ إليها للتعاطى، فأي مكان يذكرني بهذه المرحلة مثل غرفتي غيرت أثاثها وألوانها.. وكذلك الابتعاد عن رفاق السوء وعدم التواصل معهم نهائياً.. والأدوات، أي المخدرات وما شابهها.

و يوضح عن دور المركز : استفدت كثيراً جداً، فالمدمن خلال فترة إدمانه تمر عليه ولو للحظات بسيطة فكرة ترك المخدرات، لكن لن ينجح بمفرده، لأنه يفتقد للمهارات التي تعينه على العلاج، لكن المركز الوطني للتأهيل يمدنا بهذه المهارات التي تكسبنا القوة لأن تقول "كفى"، وتقوي شخصيتنا وتعيد إلينا ثقتنا بأنفسنا وبأننا ستنجح، وتعيننا على التعرف أننا كنا في طريق خاطئة، بل وتعلمنا كيف نرجع إلى الطريق الصحيح ونبدأ حياتنا من جديد.
ويضيف: لا يقتصر دور المركز على العلاج التقليدي فقط، فعلى سبيل المثال لم أكن أستطيع سابقاً الجلوس مثل ما أنا عليه اليوم معكم، حتى قبل التعاطي كنت لا أستطيع أن أعبر عن نفسي أو أتحاور مع أحد، ولكن بعد دخولي إلى المركز أصبح لدي القوة والقدرة على التعبير عن نفسي، وزادت ثقتي بنفسي وأصبحت شخصيتي أقوى، المركز ساعدني في الوصول إلى هذه المرحلة والصورة التي ترونني عليها اليوم، فقد أصبحت إنساناً مسيطراً على تصرفاتي وعلى ردة فعلي، وقادراً على الجلوس والتناقش وفتح مواضيع، ولولا هذه الثقة التي غرسها المركز بداخلي، لما كنت لأجلس معكم اليوم وأتحدث عن تجربتي بكل صراحة وشجاعة دون تردد أو خوف.

الطمأنينة والراحة

الدعم المعنوي والنفسي الذي يمدنا به المركز يشعرني بالراحة والطمأنينة ، و يوجهنا كيف نتغلب على المرض ونقضي يومنا ونخطط لمستقبلنا، بالإضافة إلى أمور عدة مفيدة ومهارات كثيرة، حيث كنت أعيش يوماً بيوم، وعلى يقين أنني في أيدٍ أمينة، ستجعل غدي أفضل من اليوم وسأحس ذلك ساعة بساعة ويوماً بيوم ، ويرسم ابتسامة على شفتاه و يقول: كل الشكر والتقدير إلى المركز، فعطاؤه بلا حدود في جميع النواحي، لكن أهم شيء منحني إياه هو الثقة، حيث أعاد إلي ثقتي بنفسي وبالآخرين، كما أشعر كذلك بأن المركز مسؤول عنا ويضرب بنا المثل ويمدحنا دائماً ويرفع من قدرنا أمام المجتمع، والدليل على ذلك هذا الاحترام الذي نلقاه من الأطباء والأخصائيين وكل العاملين بالمركز التي نشأت بيننا وبينهم صداقة كبيرة. بالإضافة إلى ذلك فقد أرسلنا المركز في رمضان أنا ومجموعة من الشباب المتعافين إلى السعودية لأداء مناسك العمرة، وأحمد الله تعالى وأشكر المركز لمنحي هذه الفرصة العظيمة. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل دربونا وأدخلونا دورات تدريبية، وحصلت على شهادة في الكمبيوتر والإنجليزي، والآن سأتخرج من برنامج ماتريكس، الذي يعتبر من أقوى البرامج التي تخص علاج الإدمان.
يضيف: فالمركز أمدني بمهارات كثيرة، وبالقوة والقدرة على التحدي، ومنحني دعماً معنوياً ونفسياً كنت افتقده وفي أشد احتياج إليه، وكان من الصعب التحلي بكل هذه الخصال دون لجوئي إلى المركز .
وأوجه رسالة لمن يظن أنه قد يواجه مشكلة عند العلاج " لا تظن أن تعاطي المخدرات والإدمان هو حل للهروب من الواقع وعلاج المشكلات، بالعكس، هذا الطريق يجعلك تغرق أكثر في المشكلات وسيخلق لك مشكلات أكبر وأعقد مما تتخيل، ولن تحلها بزيادة الإقبال على التعاطي. العلاج هو الكفيل الوحيد بحلها، خصوصاً إذا كان في مكان معد لذلك وبه أناس متخصصون .

شعور بعد العلاج

بصراحة بالغة شعور لا يوصف، راحة وسعادة وطمأنينة، فالعيد الماضي كان أول عيد يمر علي وأنا متعافى، أحسست بفرحة جديدة بالعيد وبشهر رمضان. وأحمد الله على كل يوم يمر علي دون تعاطي، فحالياً أكملت سبعة أشهر من التعافي .
و يحدثنا علي الفرق بين حياتك قبل دخولك المركز وبعدها : فرق 360 درجة، في السابق كانت حياة تعاسة وفشل بكل شيء، أما بعد دخول المركز أنا اليوم إنسان مرتاح نفسياً، صادق، أمين مع نفسي ومع غيري، لا أسرق، لا أكذب، متوازن، مرتب، نظيف من الداخل والخارج ، و يضيف: كنت سابقاً وأنا صغير أكره المدرسة والدراسة ودخول الجامعة، لكن أصبح العكس، حيث تولد عندي يقين بأنني إن شاء الله سأكمل دراستي وأثابر وأكافح وأنجح لأعوض سنوات الضياع التي مررت بها.

كلمة أخيرة

إن مجرد دخولي المركز وقراري العلاج والابتعاد عن المخدرات أكبر دليل أنني تغيرت وأنني بدأت حياة جديدة، ودليل دامغ على اعتذاري لذاتي وأهلي وكل من آذيته بأي طريقة في تلك الفترة.. أشكر أهلي على دعمهم لي ووقوفهم بجانبي وقت العلاج ، ويتابع علي : وشكر خاص وكبير للمركز الوطني للتأهيل وكل العاملين فيه على الجهود التي بذلوها في علاجي من جميع النواحي النفسية والاجتماعية والصحية والمادية والعلمية، والرعاية والاهتمام الذي حظيت به في المركز والعاملين فيه, ونصيحة أوجهها من مجرب نصيحة لمن هو في بداية الطريق أقول له : المخدرات والإدمان طريق ضلال وخطر، ونهايته مأساوية.. ابتعد عنه وقل "لا"، أسال مجرب ولا تسأل طبيب.

عودة للأعلى

  عداد الزائرين